إخوان الصفاء

337

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

ويكون مهذّبا متهيئا لقبول ما يراد منه أن يكون خليفة لمولاه ومكان أبيه في الرئاسة والملك ، وهكذا كان تأديب اللّه تعالى لأنبيائه ورسله وأوليائه من المؤمنين فيما أمرهم به من اتّباع رضوانه ، ونهاهم عنه من اتّباع هوى أنفسهم كما قال تعالى : « وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » وهكذا أيضا ان كثيرا من أولاد الملوك وعبيدهم إذا أحسّ من أبيه أو مولاه ما ذكرنا ، أخذ نفسه بامتثال أمره ونهيه وترك شهواته واتّباع هواه : كلّ ذلك لما يرجو من الأمر الجليل والخطب العظيم ، فهكذا حكم أولياء اللّه من المؤمنين الذين يرجون لقاء اللّه . . وأما المتخلّفون والمدابير « 1 » من أولاد الملوك والرؤساء وعبيدهم الأشقياء الذين لا يرجون ما يوعدون ، فهم لا يقبلون ما يؤمرون ولا يسمعون ما يقال لهم ، ولا يفكّرون فيما يقال من الترغيب والترهيب ، بل يسعون ليلهم ونهارهم في طلب شهواتهم وارتكاب هوى أنفسهم ، فلا جرم أنهم يحرمون ما ينال إخوانهم من الرئاسة والأمر والنهي والسلطان والعزّ والكرامات . فأما هؤلاء المدابير من أولاد الملوك فلا يصلحون لشيء غير أن يكونوا رهائن عند أعدائهم أو معتقلين عند إخوتهم ، فهكذا يا أخي حكم الكافرين والمنافقين والفاسقين في الآخرة ، يحرمون ما ينال المؤمنين من الكرامات والقرب والمراتب والدرجات والسرور واللذات ، عقوبة لهم لما تركوا من وصية ربهم ، وارتكبوا هوى أنفسهم ، وضلّوا عن الهدى ، وحرموا الثواب والجزاء كما قال اللّه تعالى : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ، وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ، وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً » الآية . وإذ قد تبيّن بما ذكرنا أن تأديب اللّه للمؤمنين مماثل لتأديب الملوك لأولادهم ، فنقول : اعلم يا أخي أن وعده ووعيده وعذابه للكافرين والمنافقين

--> ( 1 ) المدابير : جمع مدبار ، والفعل أدبر .